ياضارب المثل المزخرف مطريا

ياضارب المَثَلِ المزخرفِ مُطْرِياًللحقد لم تَقْدح بزَنْدٍ وارِي

أصبحتَ خصم الحق تهدم مابنىوالحقُّ محتجٌّ وأنت تُمارِي

أطريت غثَّك لاسمينك ضلَّةًواخترت من خُلقَيْكَ غيرَ خيارِ

شبَّهتَ نفسك والأُلى يولونهاآلاءهم بالأرض والعُمَّارِ

ورأيتَ حفظك ما أتوا من صالحٍأو سيءٍ كرماً وعتق نِجارِ

وزعمتَ فيك طبيعةً أرضيةًياسابق التقرير بالإقرارِ

ولقد صدقتَ وماكذبتَ فإنهُلايُدفَع المعروف بالإنكارِ

لكن هاتيك الطبيعةَ في الفتىمما تُلِط عليه بالأستارِ

ولَصمتُهُ عن ذكرها أولى بهمن عدِّها في الفخر عند فخارِ

فينا وفيك طبيعةٌ أرضيةٌتهوي بنا أبداً لِشرّ قرارِ

هبطت بآدمَ قبلنا وبزوجهِمن جنّة الفردوس أفضل دارِ

فتعوَّضا الدنيا الدنيّة كاسمهامن تلكمُ الجنَّاتِ والأنهارِ

بئستْ لَعمرُ الله تلك طبيعةًحَرمتْ أبانا قرب أكرم جارِ

واستأسرتْ ضِعفيْ بنيه بعدهُفهُمُ لها أسرى بغير إسارِ

لكنها مأسورةٌ مقسورةٌمقهورة السلطان في الأحرارِ

فجسومهم من أجلها تهوي بهمونفوسهم تسمو سموّ النارّ

لولا منازعةُ الجسوم نفوسهمنفذوا بسَوْرتها من الأقطارِ

أو قصّروا فتناولوا بأكفهمقمرَ السماء وكلّ نجم ساري

عَرفوا لروح الله فيهم فضلَ ماقد أثَّرتْ من صالح الآثارِ

فتنزَّهوا وتعظّموا وتكرمواعن لؤم طبع الطين والأحجار

نزعوا إلى النَّجد الذي منه أتتأرواحهم وسموا عن الأغوار

هذا عبيد الله منهم واحدلكنه هو واحد المِضمار

ملك له هِممٌ تُنيف على العلاويدٌ تطول مواقع الأقدار

وإذا عطا للمجدِ نال بكفهما لا ينال الناس بالأبصار

ولقد رأيت معاشراً جمحتْ بهمتلك الطبيعة نحو كل تَبار

تهوي نفوسُهُم هُوِيَّ جسومهمسِفلاً لكل دناءةٍ وصَغار

تبعوا الهوى فهوى بهم وكذا الهوىمنه الهُويُّ بأهله فحذار

لاترضَ بالمثل الذي مثلْتَهُمثلاً ففيه مقالةٌ للزاري

وانظر بعين العقل لاعين الهوىفالحق للعين الجليَّة عاري

الأرضُ في أفعالها مضطرةٌوالحيُّ فيه تصرّفُ المختار

فمتى جريتَ على طباعك مثلَهافكأن طِرْفك بعدُ من فخّار

أخرجت من باب المشيئة مثل ماخرجتْ فأنت على الطبيعة جاري

أنَّى تكون كذا وأنت مُخَيَّرٌمُتَصرف في النقض والإمرار

أين اصطراف الحيّ في أنحائهوحويلهُ فيما سوى المقدار

أين اختيار مخيَّر حسناتهإن كنت لست تقول بالإجبار

شهد اتفاقُ الناس طرّاً في الهوىو تفاوتُ الأبرار والفجار

أن الجميع على طباعٍ واحدوبما يرونْ تفاضلُ الأطوارِ

فمتى رأيت حميدهم وذميمهمفبفضل إيثار على إيثار

قاد الهوى الفجارَ فانقادوا لهوأبتْ عليه مقادةُ الأبرار

لولا صروف الإختيار لأعنَقُوالهوًى كما استقت جمال قِطار

ورأيتَهم مثل النجوم فإنهامتتابعاتٌ كلها لمدار

مُتيمِّمات سَمْتَ وجهٍ واحدولها مطالع جمَّةٌ ومَجاري

فانسَ الحُقود فإنها منسيةٌإلا لدى اللؤماء والأشرار

واعصِ الطباع إذا أطبَاك لحفظهاواختر عليهتَكُنْ من الأخيار

مازال طبع الأرض يقهر لؤمَهُمَنْ فيه رُوح الواحد القهار

لا تنسَ روحَ الله فيك وأنهاجُعِلت لتصلِح منك كل عُوَار

إن الحُقود إذا تذكرها الفتىتحيا حياة الجمر بالمِسعار

ولعلها إن لا تضرّ عدوهُوهو المسلِّف عاجل الإضرار

تَصلَى جوانحَ صدره من حقدهبلهيب جمرٍ ثاقبٍ وأُوار

فلصدرِهِ من ذاك شرُّ بِطانةولقلبه من ذاك شر سُعار

ذاك الذي نقد المكيدة نفسهنقداً وكاد عدوه بِضمار

ما نال منه مناله من نفسهوِترُ الأُلى وَتَروه بالأوتار

ردّت يداه كَيْدَه في نحرهِوكذا تكون مَكايد الأغمار

وكفى الحقود مهانةً وغضاضةًأن لست تلقاه عدوّ جهار

لكنه يمشي الضَّراء بحقدهليلاً ويَلبد تحت كل نهارِ

يلقى أعاديه بصفحة ذلةٍسِلمَ اللسان مُحارب الإضمار

لكن أهل الطّوْل من متجاوِزٍومُعاقبٍ جهراً بغير تواري

طرحوا الضغائن إذ رأوا لنفوسهمخطراً ينيف بها على الأخطار

فانظر بعين الرأي لا بعينِ الهوىفالحق للعين الجليّة عاري

النفسُ خيرك إنها علويةوالجسم شرُّك ليس فيه تماري

فانْقد لخيرك لا لشرك واتبِعْأولاهما بالقادرِ الغفار

كن مثل نفسك في السمو إلى العلىلا مثل طينة جسمِك الغدار

فالنفس تسمو نحو علو مليكهاوالجسم نحو السفل هاوٍ هاري

فأعِنْ أحقَّهما بعونك واقتسِرطبع السِّفال بطبعك السَّوَّارِ

إياك واستضعافَ حقٍّ إنهفي كل حينٍ حاضرُ الأنصارِ

والحق والشُّبَهُ التي بإزائهكالشمس جاوَرها هلالُ سِرارِ

Comments

Loading comments…